بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العرش العظيم والصلاو والسلام على نبيه الكريم.

أولاً يجب أن تشاهد القصة الأساسية التي أثارت فيّ هذه الخاطرة التي كانت تجول في رأسي بدون عنوان إلى أن شاهدت هذه الحلقة من مرايا بعنوان “الرهان” وهي قصة مأخوذة عن قصة صغيرة لتشيخوف.

ثم لنعلق على بعض النقاط أولاً.

ربما لاحظت أن هدف المحامي كان في البداية ينحصر في تمضية الوقت، بمعنى أن هدفه الأساسي كان أن يمضي به الوقت سريعاً فلا هدف آخر (يكون الوقت وسيلته لتحقيقه) – لا، فقد كان هدفه هو أن يمضي بالوقت فقط ليصل إلى الهد النهائي والذي هو الفوز بالرهان وأخذ المال. فكنت تراه يقول لنفسه بأن 2.5 ساعة في الحمام قليلة وأنه يجب أن يمضي وقتاً أكبر في الحمام وأنه يجب أن يستغرق ساعتين مثلاً في الغداء ..إلخ من وسائل تمضية الوقت التي كان يتبعها.

ولكنه منذ أن بدأ يقرأ بدأت خطته تتغير. فقد قرر في نفسه أن يقرأ الأدب الروسي في ستة أشهر فقرأه في أربعة، وللوهلة الأولى شعر بالحزن لأنه أحس أنه خسر شهرين كان يمكن أن يقضيهما في القراءة ليقضيهما من فترة سجنه ويرتاح منهما. لكن الأمر بدأ بعد ذلك يتغير تماماً.

فمنذ بدأت قراءته تتعمق وبدأ يتعلم اللغات. ففي المشهد الذي يكون فيه على الأريكة ويبدأ فيه بالتخطيط للاستيقاظ باكراً وتقليل فترة الاستحمام (كسب الوقت من صغائر الأمور) وذلك كله لكسب المزيد من الوقت لمزيد من القراءة ولتعلم لغة جديدة خلال هذه السنة، هنا نلاحظ أن الهدف تغير لديه تماماً!. فقد كان الهدف في البداية أن يمضي به الوقت فقط ليصل لنهاية المدة ويربح المبلغ الذي تم الرهان عليه. ولكن بعد أن أبحر في الكتب وتعلم اللغات والموسيقا أصبح الهدف مختلفاً تماماً وأصبح الوقت وسيلته لتحقيق تلك الأهداف التي بات يرسمها لنفسه.

يحدث ذلك إلى درجة أنه في النهاية يقرر أن يتخلى عن المبلغ المالي الذي تم الرهان عليه والذي كان يركز عليه في بداية فترة سجنه. ليكتفي بعدها بالكنز الحقيقي الذي توصل له بواسطة الوقت الذي قضاه في سجنه هذا – هذا الكنز بلا شك هو المعرفة.

القصة جميلة جداً وهي تمس إحدى الأفكار التي تخطر ببالي بين الحين والحين.

فكثيراً ما يخطر لي أنه سيكون من المفيد لي مثلاً لو أني سُجنت لسبب ما أن أقضي تلك الفترة في القراءة. الفكرة هي أني أظن أن السجن والخلوة بعيداً عن مشاغل الحياة اليومية ستكون بيئة مثالية للقراءة. وهنا مكمن الفكرة التي تخطر لي. لا أعرف لماذا أقرن خلوة السجن هذه بالبيئة المثالية للقراءة.

شخصياً أميل كثيراً لهذه الفكرة التي تتلخص في طريقة للهرب من مسؤليات الحياة لبرهة من الزمن – ربما لألتقط أنفاسي لا أكثر وليس لمجرد القراءة!. ولكن الحياة ليست كذلك :).

المشكلة أنك عندما تكون في السجن تبدأ تفكر بالطريقة العكسية لما كنت تفكر فيه عندما تظن وأنت خارج السجن بأن السجن سيكون بيئة مثالية للقراءة وما إلى ذلك!. ربما هذا يعكس حقيقة أن الإنسان كثيراً يتمنى ما لا يكون خارج نطاق ما في يديه!.

وربما القضية أننا كثيراً ما نتمنى أن ننسحب قليلاً من هذه الحياة ومسؤلياتها – لا أخفيك أني كذلك!. منذ أن توفي والدي رحمه الله تعالى رحمة واسعة بدأت أحس بأن الحياة تلاحقني بسرعة لا أستطيع مجاراتها فيها!. فيخطر ببالي مثل هذه الأفكار التي أنسحب فيها من الحياة لأتفرغ لبعض القراءة وإعادة النظر في الخطوات القادمة التي يجب أن أسيرها!. لا أبالغ جين أقول لك أني أبحث عن طريقة للعودة للماضي :).

طبعاً كل هذا يرتبط بالطريقة التي تنظر بها للحياة والنضج الذي تكسبه من التجارب التي تعيشها مع مضي الوقت. مضي الوقت ذلك الشيء الذي كثيراً ما يؤرقنا ويشغل بالنا لدرجة أن نتمنى أن ندخل السجن ليتسنى لنا الخلوة بأنفسنا لبعض القراءة والكثير من التأمل والتفكير!.

اللهم ارزقنا خير إدارة وقتنا وخير العلم وخير العمل به.

ربما يجب أن أكتب أكثر عن موضوع انتزاع وتوفير المزيد من الوقت من صغائر الأمورالتي تأكل لنا كثيراً من وقتنا اليومي دون أن نستفيد منه بشيء يُذكر.

وربما يجب أن نضع خطة أفضل للقراءة تتضمن عزلة إختيارية في السنة أو في الفصل تكون مخصصة للقراءة فقط!. 🙂

وفي النهاية أسألك: ماذا كنت ستفعل في الربع الساعة الأخيرة؟ هل ستنسحب وتخسر الرهان وتفوز بالمعرفة التي كسبتها في هذا الوقت؟ أم أنك ستجمع بين المعرفة وبين المال؟ :).

من الأفلام الجميلة التي تتكلم عن فكرة قضاء الوقت في السجن والتي تستحق المشاهدة هو فلم The Shawshank Redemption.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s