سأكتب اليوم عن التطور – ليس عن التطور كنظرية ولكن عن التطور كمؤيد ومعارض. عن الكيفية التي ينظر الناس بها إلى نظرية التطور وكيف ينقسمون في عدة نماذج تبعاً لموقفهم من هذه النظرية. والأهم هو العلاقة المتبادلة بين تلك النماذج.

بداية ينقسم الناس بشكل عام إلى فريقين فريق يؤمن بالتطور وفريق يرفض التطور. الفريق الذي يؤمن بالتطور ينقسم بدوره لقسمين فريق يؤمن بالتطور ولا يهتم بموضوع الأديان السماوية – أو لنقل أن الأديان بالنسبة له شيء ثانوي. والفريق الثاني هو الذي يؤمن بالتطور ويعتقد أنه يتوافق مع الأديان السماوية كالإسلام مثلاً ويرى أن لا تعارض بينهما أبداً.

الفريق الذ يرفض النظرية أيضاً ينقسم لقسمين أو نموذجين. الغالبية تقع في نموذج رفض النظرية تبعاً لموقفهم من الدين ورؤيتهم بتعارض النظرية مع الدين وبسبب انغماس الدين في وعيهم فهم يرفضون النظرية بشكل آلي. الفريق الثاني ويشكل الأقلية هنا يرى أن النظرية بها عيوب منطقية وعلمية ويرفضها بناء على هذا الأساس بمعزل عن الدين، وإن كان الدين يمكن أن يشارك في هذا الموقف.

العلاقة المتبادلة بين النموذجين السابقين بشكل عام (المؤيد والرافض) علاقة غير طبيعية. فهي لا تقوم على مبدأ ضرورة الحوار والنقاش حول الموضوع للوصول إلى حقيقة مقنعة للطرفين والتي لا يمكن أن تكون أكثر من حقيقة. العلاقة المتبادلة هي علاقة استهجان وازدراء غريبين.

وأكثر من ذلك – الفريق الذي يؤمن بالنظرية يعتقد أنه هو الفريق الذي يركب قطار العلم وأن الفريق الآخر جاهل تماماً. فأي شخص يرفض التطور هو بالنسبة له إما جاهل أحمق لا يعرف عن العلم شيئاً أو متدين متعصب لا يعرف كيف يفكر. وهذا الفريق بتأييده لنظرية التطور يحتكر العلم لنفسه بشكل من  الأشكال ويظن أن الطرف الآخر لا يملك من العلم شئياً. أي أن النموذج الذي يتنباه هذا الطرف يفترض أن النموذج الآخر معزول عن العلم ومرتبط بالجهل بشكل تام. كل ذلك لمجرد أنه يرفض النظرية.

تحليل هذه العلاقة يقود للكثير من الظواهر التي تنتشر في عالمنا وعلى رأسها العلمانية وارتباط التقدم العلمي بالدول التي تدعي العلمانية. المشكلة أيضاً هي أن الفريق المؤيد يكرر نفس النموذج السابق باعتقاده بأن التقدم العلمي مرتبط أيضاً بالعلمانية وألا تقدم علمي بدونها!.

إذاً نموذج العلاقة مركب فهذا الفريق يحكم على الفريق الآخر بالجهل لمجرد أنه هو مؤمن بالنظرية ويحكم أيضاً على الدولة التي ينتمي لها ذلك الفريق بالتخلف أيضاً لأنها ربما ليست علمانية بالقدر الذي يسمح لها بأن تمتلك التقدم العلمي الكافي الذي يمكن أن يقنع أفرادها بنظرية التطور.

نظرية التطور نفسها لها علاقة بالعلمانية وتشّيّيء الإنسان فهي ترده للطبيعة ولا ترى له أي سمو عن كائناتها.

التقدم العلمي ليس له أيه علاقة بالعلمانية فتاريخ العلم ليس مرتبطاً بالابتعاد عن الدين بأي شكل من الأشكال. ولكنه شأنه شأي أي عمل يتقدم ويتطور باتباع الإنسان لمنظومة معينة من القواعد والقوانين المتعلقة بالعمل الجاد والتي تساعد على التقدم في مجال ما – أي مجال.

هذا الاحتكار للعلم من الطرف الذي يرى نفسه صاحب العلم ويرى الطرف الآخر جاهلاً مهما كانت الشهادة التي يحملها أيضاً يتعلق بالعلمانية. فالطرف الأول غالباً منفصل عن الدين وبعيد عنه ويحاول جاهداً أن لا يكون له وجود في حياته. وأن يصادف وجود الدين ورفض النظرية في الطرف الآخر فهذا يزيد من البعد بين النموذجين ويزيد الطين بلة!. فلا حوار ولا نقاس بينهما لأن لدى كل منهما عوامل يحاول الطرف الآخر الابتعاد عنها.

الانفصال عن الدين له أسبابه أيضاً ولكني أعتقد أن السبب الرئيسي له هو رفض التقيد بضوابطه وحدوده – ويكتفي هذا الطرف بالادعاء بأن الدين ليس لديه أدلة كافية!. ففكرة أن يتقيد الإنسان بضوابط وحدود فكرة مزعجة للطرف الأول ويرفض الدين لئلا يلزم نفسه بأي شيء ولأنه يعتقد أن الدين مرتبط بالجهل بينما العلم والتقدم العلمي مرتبطان بالابتعاد عن الدين أي بالعلمانية. ليس العلمانية كتطبيق وإنما كمنهج حياة لا يفصل الدين عن الحياة السياسية فقط بل يفصله عن الحياة كلها ويلغيه منها.

إذاً هذا الرفض للدين ليس مرده مناقشة الدين مناقشة موضوعية ورفضه بناء عليها وإنما الخوف على مظاهر العلمانية التي يمكن للدين أن يفرض قيوداً عليها! وهذا الأمر متعلق بالتالي بخوف هذا الطرف على المظاهر التي أدمن عليها. إذاً حتى الموقف من الدين مرتبط بالعلمانية بشكل وثيق. الارتباط هنا متعلق بمظاهر العلمانية وله صلة وثيقة بعاملين مهمين هما الإدمان والنوازع المادية لدى الإنسان. والمشكلة أن الإدمان على النوازع المادية هو أقوى أشكال الإدمان التي يمكن للإنسان أن يعاني منها!.

الدين بطبيعته يحاول أن يسمو بالإنسان عن المادة – عن حيوانيته. وهذا السمو يكون بتقييد سلوك الإنسان، ولكن عندما يتذوق الإنسان طعم المادية بنوازعها الجسدية يدمن عليها ويصعب التخلي عنها أمراً صعباً لدرجة أن التخلي عن الدين يصبح وارداً للتخلص من موضوع الحدود والقيود من أساسه. هذا الإدمان على النوازع المادية يتقوى بالعلمانية ومظاهرها المتحررة من كل ضابط وقيد أخلاقي أو إنساني بل وربما تكون العلمانية بمظاهرها المادية البحتة هي السبب الأول والأخير لهذا الإدمان المادي البحت.

لذلك فليس وارداً أبداً لدى الطرف الأول مناقشة الدين وموضوع علاقته الشخصية بالدين بأي شكل من الأشكال. لأن أي نقاش موضوعي عن الدين يعني أن هناك احتمالية قبوله وبالتالي التخلي عن هذه المظاهر المادية التي أدمن عليها ولذلك فهو لا يدخل في هذا السياق أساساً بحجة أن الدين عدو العلم وهو يقف في صف العلم!.

إذاً الحيوانية والنوازع الجسدية هي التي تقود السلوك هنا وليس العقل الذي هو منصة العلم وموئله! – وهذه مشكلة يحد ذاتها!.

fwvdp hgufhvm hgl,q,u pd,km!

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s