بسم الله الرحمن الرحيم

هل سألت نفسك يوماً مالذي كنت تفعله صباحاً قبل عهد أجهزة الموبايل والأجهزة اللوحية والحواسيب الشخصية؟ ليس ذلك العهد بعيداً جداً. فعندما كنا طلاباً في المدرسة الإعدادية والثانوية لم تكن أجهزة الموبايل قد غزت أيدينا بعد ولم تكن الحواسيب الشخصية متوفرة لنا بطبيعة الحال. مالذي كنا نفعله إذاً عندما نستيقظ أو خلال اليوم؟

أعتقد أننا كنا اجتماعيين أكثر حينها. ربما كنا نتحدث لبعضنا أكثر، نقرأ أكثر، ندرس أكثر 🙂 والأهم من هذا وذاك أننا كنا نخرج أكثر!. اليوم يقضي معظمنا وقتاً طويلاً جداً أما هذه الشاشات بمختلف أحجامها!. نحاول الخروج من تطبيق لنقع في غيره، نتابع الجديد على الـ FB ثم نعود للـ Whats app نخرج منه لندخل الـ Telegram وننتهي منه لنتفحص الإيميل: هل من جديد؟!.

طبيعة هذه التطبيقات برأيي جعلت أدمغتنا معتادة على الإشباع السريع عبر الكثير من الـ feedback الذي لا يتوقف!. والمشكلة أننا حتى عندما نتصفح الـ FB مثلاً فإننا نتصفحه بسرعة باحثين عن المثير فقط – تفحص أعيننا الصور بحثاً عن خبر مثير لنقرأ أول سطرين منه ونضع الإعجاب ثم نتابع النزول للأسفل! فنحن لا نقرأ الخبر كله حتى بلك نكتفي بالعناوين!. بشكل هيستيري ترى الشخص منا يتابع ألف صفحة وله ألف صديق وعليه أن يتابع كل تلك الأخبار!.

عندما يعتاد الدماغ على هذا الكم الهائل من المعلومات وبهذا الشكل يصبح الأمر إدماناً. فلا يسهل عليك أن لا تتفقد الـ FB صباح كل يوم وظهره وعصره ومغربه وقبل نومك. وهذا الرتم السريع من التلقيم الراجع للدماغ يجعله معتاداً عليه ومدمناً عليه بحيث يصعب عليه بعدها التركيز على قراءة صفحة من كتاب أو مقالة تكون طويلة بشكل غريب!. الأمر حقيقة أكثر مما تتصور!.

دماغك يعمل كما تعوده – هذه حقيقة لا ريب فيها إطلاقاً!. إن اعتاد على هذا الرتم المجنون من التلقيم الراجع فلن يقوى على قراءة صفحة طويلة من كتاب ما!.

إذا دماغك يعمل بالطريقة التي تعوده عليها ولعل تجربتي تؤكد لك الأمر. منذ فترة قررت إعادة الاستماع لسلسلة محاضرات كنت قد استمعت لها السنة الماضية. وبهدف توفير الوقت قررت أن أسرع الفيديو قليلاً بمعدل 1.5x فقط مستخدماً برنامج VLC وهو ممتاز لمثل هذه الخيارات. ولأني قد شاهدت السلسلة من قبل فلم أعاني من أي مشكلة في فهم المحاضر رغم سرعته (البسيطة نسبياً).

بعدها بفترة قمت بتحميل نسخة جديدة من السلسلة وبدأت مشاهدتها بالسرعة العادية – وهنا كانت المفاجئة الكبيرة!. عندما شاهدت المحاضرات بالسرعة العادية شعرت بأن المحاضر يتحدث ببطء وكأن الفيديو قم تم إبطاؤه!. سرعت الفيديو بنفس المعدل السابق 1.5x فأصبح الأمر طبيعياً من جديد!. الأمر حدث حقيقة كما لو أنني كنت أستمع لشخص يتحدث ببطء. ولكن سرعته تلك كانت طبيعية فمالذي تغير؟

الذي تغير هو “الطبيعي” بالنسبة لي. أصبح الطبيعي بالنسبة لي هو النسخة المسرعة من الفيديو وأصحبت السرعة الطبيعية بمثابة تبطيء للفيديو!. لن تشعر بالأمر دون أن تجربه. حاول الاستماع لمحاضرة ما مميزة لديك بضع مرات بسرعة 1.5x أو إن كان لديك أي مجموعة فيديوهات تعليمية حاول أن تستمع لها بسرعة. ثم شغل إحداها بالسرعة التقليدية وسترى الفرق بأم دماغك :).

إذاً دماغك وما عودته عليه!. عوده على الرتم السريع من المعلومات وسيضعف التركيز لديك وتصبح القراءة الجدية مهمة شاقة جداً. لذلك في هذا الوضع الذي نعيش فيه فيمكننا القول بكل ثقة بأننا في وضع حرب مع الواقع الافتراضي من حولنا. عليك حقيقة أن تطفىء موبايلك لفترة من الزمن أثناء دراستك أو أثناء قرائتك أو قيامك بالمهام الجدية في حياتك. أطفىء الإشعارات وأغلق متصفح الإنترنت وتوقف عن متابعة الأخبار. أبعد نفسك عن هذه الـ Notifications وأوقف هذا الـ feedback المجنون وأبعد كل تلك الشاشات عنك عندما لا يكون هناك ضرورة لها. وكن على ثقة بأن شخصاً ما لو أراد الاتصال بك لأمر ضروري فهو سيصل لك بكل تأكيد – في هذا العالم المتشابك الذي نعيش فيه!.

فكر في الأمر جدياً – فاليوم تسيطر علينا أجهزتنا الالكترونية بدل أن نسيطر عليها وتشغل وقتنا بالكثير من توافه الأمور بدل أن نشغلها بالأمور الهامة. أصبحت مهمة قراءة مقالة ما أمراً شبه مستحيل مع هذا الكم الهائل من المعلومات الذي نعرض أنفسنا له مع الـ scroll down المستمر على كل تلك التطبيقات ومع تلك الرغبة المخيفة في تفقدها مع كل Notification جديد!.

الحل الأمثل في كثير من الأوقات هو Shutdown.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s